الأحد 17 رجب 1442 هـ الموافق 28 شباط 2021 م

كتب الأستاذ خليل ابراهيم المتبولي " الدّخـــان ... والمدخنــين !.. "

تاريخ الإضافة الإثنين 10 أيلول 2012 8:15 ص    عدد الزيارات 892    التعليقات 0

      


الدخان هو الأبخرة الناتجة عن اشتعال المواد، وقد ارتبطت كلمة دخان ارتباطاً وثيقاً بكلمة سيجارة، والسيجارة هي ورقة ملفوفة بداخلها نبات يُسمى "تاباكو" التي هي كلمة إسبانية من أصل هاييتي تشير إلى هذا النبات السحري الذي نال الحظوة الكبيرة بين نباتات الأرض كلها ، فيتسرّب دخانه إلى أنوف البشر وصدورهم ، مما يجعله يحرّك عقولهم وخيالاتهم .


إنّ الحركة الإستعمارية في القرن السادس عشر هي مَن أتت بالتاباكو أو التبغ الذي هو نبات أصله من القارة الأميريكية ، كان يستعمله السكان الأصليون للتدخين والمضغ كعلاج منشّط وذو فوائد سحرية، وقد نقله من موطنه الأصلي في أميركا فرنسيسكو فرناندس سفير فيليب الثاني ملك أسبانيا،وزرعه في أوروبا لأول مرّة سنة 1558م ، ثم تأصّل في أنحاء العالم كافّة ، خاصّة وأنّ هذه النبتة تتمكّن من النمو في ظروف مناخية متعدّدة وكثيرة في أغلب بلدان العالم .


تُفرم النبتة وتُلف في أوراق رقيقة على شكل سجائر أو تُحرق في الغليون أو الأركيلة التي أصبحت منتشرة بشكل غريب وعجيب في هذه الأيام . فالشرقيّون تفنّنوا في تدخين الأركيلة وتزيّنها ، حتى أنّهم بالغوا في الإهتمام والعناية بها ، إلى أن ارتبطت الشخصية النمطية للشرقي لدى الغربيين بصورة رجل بدين يتّكىء على مخدّات من حرير ويدخّن أركيلته غافلاً عن الدنيا وما يحصل بها ...


إنّ عادة التدخين مرّت بانتقادات عديدة ومواقف قاسية وحرّمت عبر التاريخ إنْ في أوروبا أو البلاد الإسلامية ... فالحكام ورجال الدين المسيحي في أوروبا كانوا قساة على المدخنين,حتى إنّ ملك انكلترا كان يأمر بشنق المدخن لتسميمه الناس. ‏كما وكان الحكام الروس يعاقبون المدخن بالجلد ثم بجدع الأنف ثم بالقتل...‏ بالمقابل أيضاً فقد حرّم السلاطين العثمانيون التدخين ، فالسلطان مراد الرابع أمر بقطع شفتي مدخّن التبغ وجدع أنف مَن يدخنه ، كما وكانت عقوبة السلطان محمد الرابع للمدخنين أن تُلفّ أوراق التبغ حول أعناقهم ثم يشنقون .


بعض المذاهب الدينية عارضت التدخين ، وأصدر بعض الفقهاء فتاوى بتحريمه ، حتى أن بعض علماء الأتراك أفتوا بنجاسة التبغ وفساد صلاة شاربه ، وذكر أخرون إنّ مدخّن التبغ يحشر يوم القيامة أسود الوجه والغليون في عنقه وهو يلتهب ناراً .لقد نظم الشاعر العراقي "معروف الرصافي" قصيدة طويلة في مضار التدخين ، واعتبره شبيهاً بإدمان الخمر :


أن كلّفَتْني السكاري شُربَ خمرتهـم * شربت لكن دخانـاً مـن سكاراتـي
واخترت أهون شـرّ بالدخـان وأن * أحرقـت ثَوبـي منـه بالشـرارات
وقلت يـا قـوم تكفيكـم مشاركتـي * أياكـم فـي الـتـذاذ بالمُـضِـرّات
أنّي لأمتصَ جمـراً ُلـفَّ فـي وَرَق * إذ تشربـون لَهيبـاً مـلء كاسـات
كلاهما حُمُـق يَفتّـر عـن ضـرر * يَسُـمّ مـن دمنـا تلـك الكُـرَيّـات


رغم كلّ الموانع والتحذيرات الصحيّة والأخلاقية إلاّ أنّها لم تمنع الدخان من الإنتشار ولا ردعت المدخّنين عن امتصاص الجمر الملتهب . فقد كانت حجة المدخّنين "دخّن عليها تنجلي"  لأنّه حسب زعمهم أنّ الدّخان يهدّىء الأعصاب ويزيل الهموم .


حتى أنّ بعض الشعراء زعموا أنّ نار الهموم الملتهبة في الصدر لا دواء لها إلاّ من جنسها ، واقتدوا بالشاعر العباسي أبو نواس ببيته الشهير:دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء وداوني بالّتي كانت هي الداء وممّا قالوه : ولكن أداوي نار قلبي بمثلها       كما يتداوى شارب الخمر بالخمر .


فأنصار التدخين كثر منهم الأدباء والشعراء ، فقد وصفوا التدخين بشتى أشكاله وأنواعه . حتى أن هناك شاعر استنجد بوزن القصيدة المشهورة ( ياليل الصبّ متى غده ...) فأنشد يصف الأركيلة :


يا بنتُ الهندِ كفى صلفاً      فدخانك قلبي مصعده
 أحرقتِ فؤاداً مكتئباً        لو غيرك كانت تُسعده
 إبليس أبوك وهل شك       والنار برأسك مقعده


وهناك شاعر آخر وصف الأركيلة في قصيدة يقول فيها :


فقرقري ماشئت ان تقرقري
                                   وغرغري كالغارق المحتضر
وأروِ من عطرك شذاك العبقري
                                      نفسي لتحيا بشذاك العطر
ففي الشذا روح لصبّ هائم
                                       وهاتف بالمأمل المزدهر


هذا ما قاله الشعراء القدامى عن الدخان ، وعن كيفية وصفه بطريقة محبّبة للقلب لكي يُشرب . مقابل هؤلاء الشعراء القدامى ، كان الشعراء الحديثون أيضاً يتغنّون بالدخان ويصفونه ، حتى أوحت لهم السيجارة بعلاقة تشابه واضحة بينها وبين المرأة ، لما في كلّ منهما من الجمال الظاهر والغدر الخفي


أقبّلها في اليوم مليون قبلة
                                               فلا استحي منها ولا هي تمنع
كأني بها عذراء برت بحبها
                                                فلا هي ترويني ولا أنا أشبع
تموت على ثغري البريء شهيدة
                                             فأحرق أنفاسي بخورا يضوع


هناك قصيدة شهيرة للشاعر السوري فوزي المعلوف بعنوان " حسناء وسيجارة" يصوّر فيها غيرة المرأة من السيجارة لما نالته من تقدير الرجال واهتمامهم ، ويبدأها بشكوى حبيبته من انشغاله عنها بالتدخين ، ويعتذر لها عن هذا الحب الجديد مؤكداً لها أنّ الدخان المتصاعد من سيجارته يأخذ شكل حبيبته ويرسم تفاصيل أعضائها ، ولا ندري إن كانت من الغباء بحيث صدقت خيالاته لكنه يختم قصيدته بنهاية سعيدة : وكان دخانٌ موصل قبلاتنا    على رغم بُعد الخدّ منّا عن الخدّ  


في الختام إنّ للتدخين والدخان أعداءً رافضين وأنصاراً مؤيدين كما كلّ شيء في هذه الحياة . الدراسات العلمية أثبتت ان التدخين اضراره عديدة وقاتلة مثل مرض السرطان، تصلب الشرايين ترهل الجلد وغيرها وأثبتت ايضاً ان التدخين السلبي يوازي التدخين المباشر في مضاره. رغم ذلك فإنّ المدخنّين يتكاثرون ويزدادون يوماً عن يوم رغم كلّ القرارات التي تصدر بالمنع .


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

الأسم: * البريد الإلكتروني:
تعليق: *
رمز الحماية: *  تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.

  

 

   

        

  

 

  

 

إضغط هنا 

 

 

 

  

  

  

      

       

      

 

      

    

   

         

               

     

             

   

           

 «  شباط 2021  » 
MoTuWeThFrSaSu
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
إلى الأعلى

Designed and Developed by

Xenotic Web Development