الجمعة 9 جمادى الثانية 1442 هـ الموافق 22 كانون الثاني 2021 م

لكل مثل قصة مع الاديب اللبناني سلام الراسي ..

تاريخ الإضافة الجمعة 2 كانون الثاني 2015 5:59 م    عدد الزيارات 10832    التعليقات 0

      


يا سَمَرمَر حُوم حُوم ...


مَن ينظر إلى ذكرياته، بعين البساطة، يرَها أجمل من حقيقتها والسعيد السعيد من استطاع أن يزيِّن جدران حياته بلوحات من أجمل ذكرياته.


في أيَّام حداثتي، كانت تعيش في قريتي، في جنوب لبنان، جماعات تنتمي إلى طوائف مختلفة تتنافر وتتصافى وفقاً للأحوال والظروف.


وحدث صيف سنة 1917، إحدى سنوات الحرب العالميَّة الأولى أن أرتالاً كثيفة من الجراد غزت بلادنا – قيل يومئذ، إن الإنكليز، الذين لا يحدث شرّ أو خير في الدنيا، إلاَّ بهم، هم الذين أرسلوا الجراد إلينا، انتقاماً من أعدائهم الأتراك.


وغطّ رفّ كبير من الجراد قرب قريتنا وزحف نحو الكروم، فدبَّ الهلع في نفوس الناس، لأن الجراد، كما يقول المثل: "بياكل وبيهرّ، ما في شي عندو مرّ".


لكن الله خلق الجراد وخلق له ضدّاً لئلاً يمحق خيرات الأرض، والضدّ هو طائر "السمرمر"، الذي يلتهم الجراد، وهو كذلك "يأكل ويهرّ، ولا يشبع، فقطع دابر الجراد، فإذا ظهرت أرتال الجراد في السماء، لا بدّ من أن تتبعها أسراب السمرمر، الذي يسمع ويستجيب أحياناً، عند الطلب.


وخرجنا نحن أهل القرية، من مختلف الطوائف، كباراً وصغاراً، وتركنا خلافاتنا جانباً، ومشينا في تظاهرة، نحو مواقع الجراد، تقودنا امرأة عمياء تتعاطى الندب في المآتم وتبعث ارتجافات صوتها خشوعاً في النفوس، قيل إن الله كان يستجيب دعاءها، وراحت المرأة تهتف أمامنا ونحن نردِّد وراءها بحرارة: "يا سمرمر حُوم حُوم، الجراد أكل الكروم"!


لكن السمرمر لم يحضر إلاّ بعد فوات الأوان – لعلّ الإنكليز منعوه من الحضور – فأتلف الجراد القسم الأكبر من بساتيننا وكرومنا.


مثل هذه التظاهرة الجماعية البريئة كنّا نفلعها كلَّما حدث خسوف في وجه القمر، فننسى خلافاتنا وانقساماتنا الطائفيّة ونخرج جميعاً حاملين الصواني النحاس نقرع عليها ونهتف "فلِّت قمرنا يا حوت!" وإذا انحبس المطر في فصل الشتاء، حملنا "القرندس" وخرجنا ورحنا نهتف بحرارة: "يا أم الغيث غيثينا، لولا الشتا ما جينا!".


وفي استطاعتي أن أقول إن الخرافات الشعبية كانت تجمعنا، نحن أبناء القرية الواحدة، في حين كانت الانتماءات الطائفية تضع بين الناس حواجز وحدوداً يصعب تخطّيها.


في ذلك الزمان، كان يعيش في قريتنا رجل حكيم اسمه "أبو سبيرو"، كنا نتأثَّر أحياناً بأقواله، لأنَّها كانت دائماً "على المحكّ"، قال يوماً: "أبناء قريتنا يختلفون على الحق ويتَّفقون على الباطل"، فصارت عبارته هذه من الأقوال المأثورة.


كان أبو سبيرو يولي الخرافات اهتماماً خاصاً، ويحاول أن يفتح عيوننا على بعض أوجه جمالها وينبِّه أذهاننا إلى أهميتها في حياة أبناء القرية، ويقول: "ما دامت الطائفيَّة تفرِّقنا والخرافات تجمعنا، فلماذا لا نعطي الخرافات دوراً فاعلاً في المجتمعات القروية".


كان ذلك قبل أن ينشر الكاتب الإنكليزي أدورد لين دراسته عن الأقلِّيات الدينية في الشرق الأوسط، والتي قال في خلاصتها إن كل طائفة في الشرق الأوسط تكره حتى الموت، المعتقدات الدينية عند سائر الطوائف، لكن الجميع يشتركون في الإيمان بخرافات بعضهم البعض، ويمكن القول إن الدين يفَرِّق الشرقيِّين... والخرافات تجمعهم.


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

الأسم: * البريد الإلكتروني:
تعليق: *
رمز الحماية: *  تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.

  

 

   

        

  

 

  

 

إضغط هنا 

 

 

 

  

  

  

      

       

      

 

      

    

   

         

               

     

             

   

           

 «  كانون الثاني 2021  » 
MoTuWeThFrSaSu
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031
إلى الأعلى

Designed and Developed by

Xenotic Web Development