الأربعاء 15 ذو القعدة 1440 هـ الموافق 17 تموز 2019 م

لكل مثل قصة مع الاديب اللبناني سلام الراسي ..

تاريخ الإضافة الإثنين 8 أيلول 2014 4:18 م    عدد الزيارات 10742    التعليقات 0

      


يا سامعين الصَّوت،
آمَنتُ بالعِلم


إذا اشتدت على مخلوق شدة، حتى اشتهى الموت، خطأه حكماء القرية بقولهم: "اللي بيعيش بينسى، واللي بيموت بتروح عليه ".

جئت إلى لندن وأنا "مضنى القلب موجعُهُ"، كما قال الشاعر ابن زريق الذي جاء من بغداد إلى القاهرة يمتدح خليفة ذلك الزمان، لعلَّه يحظى منه بما يعود به إلى حبيبته.


لكنَّ الخليفة نسيه أو تناساه، وعندما فطن إليه بحثوا عنه فوجدوه ميتاً وفي يده قصيدته المشهورة والتي مطلعها:


لا تعذليه فإن العذل يولعهُ
قد قلتِ حقاً ولكن ليس يسمعهُ
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً
من عنفه، فهو مضنى القلب موجعهُ


إنًَّما قبل أن يدركني الموت – بوجع القلب – كما أدرك زميلي ابن زريق البغدادي، تداركني الجرَّاح الإنكليزي الشهير "مستر رصّ" بعمليّة جراحيّة، فمدَّ قلبي بثلاثة شرايين جديدة، ومدَّ حياتي إلى أجل جديد.


في المستشفى عينه الآن، في "هارلي ستريت كلنك" صديق لبناني جاء كذلك إلى لندن وهو "مضنى القلب موجعه". فقالوا له ان صمذام قلبه أوشك ان يتعطَّل عن العمل وإن خلاصه الوحيد هو في أن يجدوا خنزيراً ذا مواصفات معيَّنة يقتلعون صمام قلبه – أي قلب الخنزير – ويزرعونه في صدر الرجل، بدلاً من صمامه المريض.
فرقد الرجل في إحدى غرف المستشفى وراح يغنِّي مع الشعر العربي:


ولي كبدٌ مقروحة مَن يبيعني
بها كبداً ليست بذات قروحِ
أباها عليَّ الناس لا يشترونها
ومَن يشتري ذا علَّة بصحيحِ


لكنَّ الله هوَّنها أخيراً على الرجل، فوجدوا خنزيراً يشتري "ذَا علَّة بصحيح" وها هو الآن، أي الرجل، بألف خير.


أمَّا الصديق الدكتور راسم ذوق، من طرابلس، وهو زميلنا الآن بمرض انسداد شرايين القلب، فقد أجرى له "مستر رصّ" عملية جراحية ناجحة، وهو ينام الآن قرير العين على سريره في غرفة مجاورة لغرفتي وبسبب إيمانه بالعلم يقول كلَّما سألته عن حاله، بلسان المتنبي: "أنام مِلء عيوني عن شواردها".


في المستشفى كذلك صديق جديد يلبس زي شيوخ الصحراء العربيّة، وقد جاء كذلك يستشفي من علّة قديمة في قلبه.


سألته يوماً: "كيف حالك يا طويل العمر؟"


قال: "واللهِ – بكسر الهاء – لولا "هؤلاء الإنكليز" لكنّا، أنت وأنا، من قصار العمر".


ثم استردك الرجل فأضاف: "أستغفر الله! أستغفر الله! أستغفر الله!"


وللمناسبة فإن مستشفى "هارلي كلينك" العريق في حسبه ونسبه، هو من المستشفيات الإنكليزية المستعربة، في هذه الأيام.


ومما يروى أن ولداً عربياً دخل مستشفياً، فأشفق عليه والده من الملل وأهداه زمّوراً يتسلّى بالتزمير فيه، في ليالي المستشفى الطويلة، ومَن ذا الذي يستطيع أن ينتزع الزمّور في يدي الولد العربي في هذه الأيام؟


في أيام حداثتي، كان يحدث أن أستيقظ في الصباح، في قريتي إبل السقي، في جنوب لبنان، على صوت المنادي ينادي، من أعلى مكان في القرية: "يا سامعين الصوت.. يا ناس يا هو.. مات أبو فلان، فلان الفلاني.. الحاضر يعلم الغايب.. لكم بعده طول البقاء!"


كانت المناداة، في المناسبات، مهنة هذا الرجل، وقد انتدبه رجال القرية لهذه المهمة، بسبب ثخانة شرايين رقبته ومقدرته على تنويع نداءاته حسب مقتضى الحال، اذ كان يحدث أحياناً أن يصعد إلى سطح الكنيسة وينادي مثلاً: "يا سامعين الصوت.. يا ناس يا هو.. احترق بيت فلان.. دِرّهِباً يا عرب!" (وأصل هذه العبارة هو: "لله دَرّكم، هبُّوا يا عربّ").


بهذه الطريقة كان المنادي "يدبّ الصوت: على رجال القرية ويستنهض هممهم فيهبّوا إلى التععاون في إخماد الحريق.


في ذات صباح صعد المنادي إلى سطح كنيسة القرية لينعي أحد مةتاها، ونفخ أوداج رقبته ورفع عقيرته وصاح: "يا سامعين الصوت.." وانقطع صوت الرجل فجأة.


وعندما صعد بعض الرجال إلى سطح الكنيسة وجدوا الرجل جثّةً هامدة.. انقطع شريان قلبه – كما حكم كاهن القرية في ذلك الزمان – فمات الرجل وهو يقوم بواجبه الوطني. وانقرضت بموت هذا الرجل مهنة المناداة في قريتنا، إلى الأبد.


كان المنادي هذا عمي – شقيق والدي – بيد أنني لم أرث من صفاته الحميدة غير مرض انسداد شرايين القلب.


لذلك بقيتُ طوال أيّامي وأنا "إيدي على قلبي" كما تقول العامة في لبنان، حتى ألهم الله أخيراً، "هؤلاء الإنكليز" أن يستأخروا أجلي – كما أراد زميلي شيخ الصحراء أن يقول، ثم استدرك.


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

الأسم: * البريد الإلكتروني:
تعليق: *
رمز الحماية: *  تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.

 

 

   

        

  

 

  

 

 

 

 

 

  

      

 

      

 

 

    

      

 

 

 

 

 

 

  

 

 

    

    

 

 

  

       

 

        

 

              

     

    

 

        

   

  

         

 «  تموز 2019  » 
MoTuWeThFrSaSu
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031 
إلى الأعلى

Designed and Developed by

Xenotic Web Development